ابن أبي الحديد

117

شرح نهج البلاغة

( والذين هم به مشركون ) على قوله : ( الذين يتولونه ) ، فوجب أن يثبت التغاير بين الفريقين وهذا مذهبنا لان الذين يتولونه هم الفساق ، والذين هم به مشركون هم الكفار . ومنها قوله تعالى : " وأما الذين فسقوا فمأواهم النار ) إلى قوله تعالى : ( وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ) ( 1 ) فجعل الفاسق مكذبا . والجواب ، أن المراد به الذين فسقوا عن الدين ، أي خرجوا عنه بكفرهم ، ولا شبهة أن من كان فسقه من هذا الوجه فهو كافر مكذب ، ولا يلزم منه أن كل فاسق على الاطلاق فهو مكذب وكافر . ومنها قوله تعالى : ( ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) ( 2 ) ، قالوا : فأثبت الظالم جاحدا ، وهذه صفة الكفار . والجواب أن المكلف قد يكون ظالما بالسرقة والزنا ، وإن كان عارفا بالله تعالى ، وإذا جاز إثبات ظالم ليس بكافر ولا جاحد بآيات الله تعالى ، جاز إثبات فاسق ليس بكافر . ومنها قوله تعالى : ( ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) ( 3 ) . والجواب أن هذه الآية تدل على أن الكافر فاسق ، ولا تدل على أن الفاسق كافر . ومنها قوله تعالى : ( فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون * تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون * ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون ) ( 4 ) .

--> ( 1 ) سورة السجدة 20 . ( 2 ) سورة الأنعام 33 . ( 3 ) سورة النور 55 . ( 4 ) سورة الأعراف 102 - 105 .